ابن أبي الحديد

48

شرح نهج البلاغة

المنصور ذلك ثم نهاه عن نقض السنن الصالحة التي قد عمل بها من قبله من صالحي الأمة فيكون الوزر عليه بما نقض ، والاجر لأولئك بما أسسوا ، ثم أمره بمطارحة العلماء والحكماء في مصالح عمله ، فإن المشورة بركة ، ومن استشار فقد أضاف عقلا إلى عقله . ومما جاء في معنى الأول : قال رجل لإياس بن معاوية من أحب الناس إليك ؟ قال الذين يعطوني ، قال : ثم من ؟ قال : الذين أعطيهم . وقال رجل لهشام بن عبد الملك : إن الله جعل العطاء محبة ، والمنع مبغضة ، فأعني على حبك ، ولا تعنى في بغضك . * * * والأصل : واعلم أن الرعية طبقات ، لا يصلح بعضها إلا ببعض ، ولا غنى ببعضها عن بعض ، فمنها جنود الله ، ومنها كتاب العامة والخاصة ، ، ومنها قضاة العدل ، ومنها عمال الانصاف والرفق ، ومنها أهل الجزية والخراج من أهل الذمة ومسلمة الناس ، ومنها التجار وأهل الصناعات ، ومنها الطبقة السفلى من ذوي الحاجات والمسكنة ، وكل قد سمى الله له سهمه ، ووضع على حده وفريضته في كتابه أو سنة نبيه صلى الله عليه وآله عهدا منه عندنا محفوظا . فالجنود بإذن الله حصون الرعية وزين الولاة ، وعز الدين ، وسبل الامن وليس تقوم الرعية إلا بهم ، ثم لا قوام للجنود إلا بما يخرج الله لهم من الخراج الذي يقوون به على جهاد عدوهم ، ويعتمدون عليه فيما يصلحهم ، ويكون من وراء حاجتهم ، ثم لا قوام لهذين الصنفين إلا بالصنف الثالث من القضاة والعمال